السيد محمد تقي المدرسي

282

من هدى القرآن

ساعات الدنيا خير من ساعات الآخرة وبالرغم من أن ظاهر التعريف بالدنيا يُحقِّرها في نفوسنا ، لكن ربنا لا يريد من هذا التعريف أن يَحُطَّ من قدرها لكي ننصرف عنها انصراف المتصوفة ، فهي ذات أهمية لكل إنسان ، لأنها دار تقرير المصير الأبدي ، وإن ساعة من الدنيا خير من ساعات في الآخرة ، لأنه يربح بساعة دنيوية آلاف الساعات ، وربما اشترى بها الخلود في الجنة كالحر بن يزيد الرياحي ، الذي لم يكن بين توبته وشهادته إلا لحظات ، وإنما أراد الله أن يبين لنا طبيعة الدنيا وطبيعة الإنسان حينما يحبها ويتخذها هدفا ، دون مرضاة الله . وهذا يتضح من نهاية الآية ، وعلاقتها بالتي تليها حيث الدعوة إلى التسابق نحو الخيرات ، فهو تارة يتخذها هدفا فلا قيمة لها ، إنما هي متاع الغرور ، وتارة أخرى يتخذها وسيلة وميدانا للتسابق إلى مغفرة الله والجنة ، فَيُسَخِّر كل ما يملك من نعيمها لهذه الغاية ، فهي عند ذلك ذات قيمة عظيمة . إن الله يؤكد للمؤمنين - بالذات الفريق الذين ضعف إيمانهم نفسيًّا ، فما عادوا يخشعون لذكر الله وآياته بالكيفية اللازمة ، وعمليًّا ، فما عادوا يسلِّمون لأوامر القيادة بالإنفاق مثلا ، فصاروا على شفا جرف هار من القسوة والنفاق بسبب اليأس من الانتصار لتأخره ، وبسبب الانصراف إلى الدنيا بدل الآخرة - يؤكد لهم أنها ليست سوى ميدانٍ للعب ، واللهو ، والزينة ، والتفاخر ، والتكاثر ، وبالرغم من أن هذه الحقيقة ليست غائبة عن أذهان المؤمنين عموما إلا أنها لم تتحول من الفكرة إلى وعي يهيمن على النفس ، وبتعبير آخر لم تتحول العبرة إلى موعظة عملية ، وآنئذ ما الفرق بين الذي يجهل وجود لغم في طريقه فينفجر فيه ، وبين الآخر الذي يحتمل ذلك أو يدري به لكنه لا يحتاط ؟ ! كلاهما ينتثران أشلاء في الهواء ، لأن العلم بلا إقدام يساوي الجهل ، قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ لقمان : 25 ] ، فلا شك إذن أن المؤمن الذي يلعب ويلهو في الدنيا ، ويتخذها زينة وتفاخرا وتكاثرا في المال والأولاد ، ويبخل بالإنفاق في سبيل الله حرصا وتشبثا بها ، كمثل الذي يكفر بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب ، وإلا لجعل الآخرة هدفه ، وبذل ما يستطيع من أجلها رغبة في رضوان ربه وثوابه ، وخوفا من غضبه وعقابه ، بل أصبح يتسابق - إذن - نحو الخيرات ، لأنها الزاد والثمن فيها ، وربما لذلك أمرنا القرآن بالعلم قائلا : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا هنا ثلاثة تأكيدات : أحدها الدعوة المؤكدة إلى العلم ، والثاني أداة التوكيد أن ، والثالث الحصر أَنَّمَا ، وحيث تتوالى هذه التأكيدات على حقيقة ما فهي مهمة ومهم أن يعلمها الإنسان ، فما هي تلك الحقيقة ؟ . إن الحياة الدنيا لمن أرادها ؛ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ واللعب هو العمل الباطل وبلا هدف